محمد جمال الدين القاسمي

474

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ما هم فيه من اتباع الهوى ، كم قال إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق ، فهم يقلدونهم وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يكذبون على اللّه تعالى فيما ينسبون إليه ، كاتخاذ الولد ، وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه ، وتحليل الميتة ، وتحريم البحائر . و ( إن ) فيه وفيما قبله نافية . والخرص : الحزر والتخمين ، وقد يعبر به عن الكذب والافتراء ، وأصله القول بالظن ، وقول ما لا يستيقن ويتحقق - قاله الأزهري - القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 117 ] إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 117 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ تقرير لمضمون الشرطية ، وما بعدها . وتأكيد لما يفيده من التحذير . أي : هو أعلم بالفريقين ، فاحذر أن تكون من الأولين . - أفاده أبو السعود - . تنبيه : قال الرازيّ : تمسك نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : رأينا أن اللّه تعالى بالغ في ذم الكفار في كثير من آيات القرآن ، بسبب كونهم متبعين للظن . والشيء الذي يجعله اللّه تعالى موجبا لذم الكفار ، لا بد وأن يكون في المعنى في أقصى مراتب الذم . والعلم بالقياس يوجب اتباع الظن ، فوجب كونه مذموما محرّما . لا يقال : لما ورد الدليل القاطع بكونه حجة ، كان العمل له عملا بدليل مقطوع ، لا بدليل مظنون . لأنا نقول : هذا مدفوع من وجوه : الأول - أن ذلك الدليل القاطع إما أن يكون عقليّا ، وإما أن يكون سمعيّا ، والأول باطل ، لأن العقل لا مجال له في أن العمل بالقياس جائز أو غير جائز ، لا سيما عند من ينكر تحسين العقل وتقبيحه . والثاني أيضا باطل ، لأن الدليل السمعيّ إنما يكون قاطعا لو كان متواترا ، أو كانت ألفاظه غير محتملة لوجه آخر ، سوى هذا المعنى الواحد . ولو حصل مثل هذا الدليل لعلم الناس بالضرورة كون القياس حجة ، ولارتفع الخلاف فيه بين الأمة . فحيث لم يوجد ذلك . علمنا أن الدليل القاطع على صحة القياس مفقود . الثاني - هب أنه وجد الدليل القاطع على أن القياس حجة ، إلا أن مع ذلك لا يتم العمل بالقياس إلا مع اتباع الظن . وبيانه أن التمسك بالقياس مبنيّ على مقامين : الأول : أن الحكم في محل الوفاق معلل بكذا . والثاني : أن ذلك المعنى حاصل في